أخطر عدو لك في البزنس ليس منافسك… بل عقلك نفسه

في عالم الأعمال، كثير من القادة يظنون أن أكبر تهديد يواجههم هو المنافسة أو الظروف الاقتصادية، لكن الحقيقة الصادمة أن أكبر فخ يقع فيه رواد الأعمال هو فخاخ العقل نفسه. 

فخاخ العقل كثيرة ومتعددة تعمل في الخفاء، قد تدفعك لاتخاذ قرارات كارثية تكلفك وقتك، أموالك ، فرصك ، بل قد تهدم نجاحاتك على مدار سنوات. 

إذا عدنا بالزمن عشر سنوات للوراء إلى مشاهد انهيار شركة عريقة حققت نجاحات ساحقة ، كيف تحولت من شركة مستحوذة على سوق الهواتف إلى خروجها من السوق نهائياً ، سنجد أن قادة أو المديرين التنفيذيين لشركة نوكيا Nokia وقعوا في 2 من هذه الفخاخ المميتة . 

ليست نوكيا فقط ، شركة Volkswagen أيضاً ، بسبب وقوعها في واحد من هذه الفخاخ سجلت حوالي 2.5 مليار يورو خسائر مالية بعد 3 أشهر فقط من فضيحة Volkswagen's Diesel Scandal فضيحة الديزل في فولكس فاجن الشهيرة عام 2015 وانفجار أزمتها وتوالى الخسائر على فترة طويلة .

هذه الفخاخ تُسمي الانحيازات المعرفية أو التحيزات المعرفية (Cognitive Biases)، في هذا المقال، سأكشف لك عن ثلاثة فخاخ نفسية قاتلة تهدد كل مشروع، على المستوى الشخصي أسميهم " أعداء النجاح الثلاثة " 

سأتعمق في كل فخ، مع أمثلة حقيقية ودراسات علمية، وأحاول أن أقدم لك حلول عملية تساعدك على النجاة من هذه العقبات الذهنية.


أولاً التحيزات المعرفية (Cognitive Biases)

التحيزات المعرفية هي ببساطة "اختصارات ذهنية" يعتمد عليها عقلنا لاتخاذ القرارات بسرعة، لكنها في كثير من الأحيان تكون مليئة بالأخطاء. هي ليست عشوائية، بل أنماط متكررة ناتجة عن معتقداتنا وتجاربنا، لكنها مع ذلك قد تتعارض مع المنطق والاحتمالات الواقعية.

ظهر هذا المفهوم لأول مرة سنة 1972 على يد العالِمين آموس تفرسكي (Amos Tversky) و دانيال كانيمان (Daniel Kahneman)، ومنذ ذلك الوقت كشف الباحثون عن عشرات الأنواع من هذه الانحيازات التي تؤثر على قراراتنا اليومية في مجالات شتى: من الاقتصاد السلوكي، والإدارة، والرعاية الصحية، وصولاً إلى التعليم والأعمال والتمويل.

اليوم، نعرف أن هناك أكثر من 24 نوعًا من التحيزات المعرفية، بعضها يرتبط بالذاكرة، فطريقة تذكّرنا للأحداث قد تكون منحازة بشكل يغيّر أحكامنا.
وبعضها الآخر يرتبط بالانتباه، لأن عقولنا لا تستطيع التركيز على كل ما يدور من حولنا فتختار أجزاء محددة فقط، مما يقودنا إلى استنتاجات غير دقيقة.

ورغم أننا نحب أن نرى أنفسنا ككائنات عقلانية تفكر بهدوء قبل كل قرار، إلا أن الواقع مختلف: كل إنسان معرّض للوقوع في فخ التحيزات المعرفية، بدرجات متفاوتة.

وفقاً لموقع The Good Boss ، تشير الإحصائيات أن 9 من أصل 10 من المديرين التنفيذيين يعترفون بأنهم اتخذوا قرارات متأثرة بالتحيزات المعرفية دون أن يدركوا ذلك.

المفارقة أن هذه الانحيازات ليست كلها سيئة؛ فهي جزء من تصميم الدماغ ليساعدنا على التعامل مع الكم الهائل من المعلومات التي تغمرنا كل يوم، فلو اضطررنا لتحليل كل موقف من الصفر، لكان اتخاذ أبسط القرارات شبه مستحيل. 

لهذا السبب يعتمد دماغنا على اختصارات ذهنية مبنية على تجارب ومعتقدات سابقة، وهذه القواعد البديهية تمنحنا سرعة وكفاءة، لكنها أحيانًا تجرنا إلى أخطاء كبيرة دون أن نشعر وهذا موضوعنا اليوم مع أعداء النجاح الثلاث .


ثانياً الفخ الأول : تأثير النعامة (Ostrich Effect)

يُشبه هذا التأثير بالأسطورة المعروفة عن طائر النعام، أنها تدفن رأسها في الرمال عندما تشعر بالخوف والفزع.
على الرغم من أن هذه الأسطورة ليست حقيقية؛ فالنعامة تدفن رأسها في الرمال لأنها تحفر ثقوبًا لبيضها الكبير، ولكن هذا التشبيه هو حقيقة بالنسبة لهذا الفخ المعرفي الذي يعرف بتأثير النعامة ، الذي يعبر عن ميل الناس إلى "دفن رؤوسهم في الرمال" وتجنب المعلومات السلبية المحتملة ولكن المفيدة، مثل ردود الفعل على التقدم، لتجنب الانزعاج النفسي.

يُعرف "تأثير النعامة" بأنه ميل الأفراد إلى تجاهل وتجنب المعلومات السلبية أو المزعجة عمداً، تماماً كـ"أسطورة" النعامة التي تدفن رأسها في الرمال لتتجنب الخطر. في عالم الأعمال، يتجسد هذا التحيز في تجاهل قادة الشركات لتقارير الأداء السيئة، أو مؤشرات السوق التي تنذر بالمتاعب، أو حتى ردود الفعل النقدية من العملاء، والعيش في وهم الأمان حتى تقع الكارثة . 


إن الآلية النفسية الكامنة وراء هذا السلوك لدينا كبشر تتجاوز مجرد الكسل أو الإهمال، إنه "رد فعل هروب" فطري تجاه الإجهاد والتهديد أو الخطر المدرك. 

وجدت دراسة مشهورة واسعة النطاق شملت مستثمرين في الدول الاسكندنافية والولايات المتحدة أنهم يميلون إلى فحص حساباتهم الاستثمارية بشكل أكثر تكراراً في الأسواق الصاعدة، يتجنبونها في الأسواق الهابطة.
هذا السلوك، الذي يظهر كنوع من التنظيم الذاتي للمشاعر، يؤدي إلى تجنب مواجهة الخسائر المحتملة، ولكنه في الوقت نفسه يمنع المستثمرين من اتخاذ قرارات تصحيحية في الوقت المناسب والهروب من مواجهة الخسائر أو الأخبار السيئة .

وبحسب آراء علماء علم النفس ، فى هذه الحالات يحدث شئ ما يسمى
بـ"التنافر المعرفي" (Cognitive Dissonance)، هذا التنافر يسبب حالة من عدم الارتياح النفسي الشديد، فيلجأ الدماغ إلى أبسط الطرق للتخلص منه، وهي تجاهل المعلومة المزعجة وتجنبها. وبهذا، يحافظ العقل على حالة من الاتساق النفسي، حتى لو كانت مبنية على واقع زائف.
والنتيجة بناء فقاعة وهمية لا يُسمح فيها إلا للمعلومات المريحة بالدخول، مما يقود إلى حلقة خطيرة من الإنكار.

لكى تفهم خطورة هذا على علامتك التجارية ، تخيل أنك تسمع أخبار أو معلومات عن مشروعك أو مؤسستك من فريقك تتعارض مع معتقداتك الإيجابية عنه، على سبيل المثال أرقام انخفاض حادة في المبيعات لمنتج ما ، كنت تعتقد أنه سيكون رابح ويحقق أرباح خرافية 

إذا كانت ردة فعلك أن تحاول مواجهة هذه المشكلة والتصدي لها بالاعتراف بهذه الحقائق والأرقام ، وبالتعاون مع فريقك تحاولون معرفة المشكلة الحقيقة ولماذا هذا الانخفاض ، وإما حلها أو إنهاء الترويج وبيع هذا المنتج الخاسر لمحاولة تفادى خسائر أكبر، ففي هذه الحالة أنت لا تخضع لتأثير النعامة. 

بينما إذا كانت ردة فعلك أن تسكت الفريق أو تتجاهل هذه الأرقام وتستمر في الترويج لهذا المنتج الخاسر فقط لأنك كونت عنه معتقد من البداية أنه ناجح أو لأنك صرفت عليه كثيراً سواء وقتك أو أموالك وتتجاهل الخسارة الواقعة، إذاً أنت الآن واقع تحت تأثير النعامة ولابد أنك تتقدم نحو الخسارة الكبيرة بخطوات سريعة، مثلما فعلت نوكيا. 


سقوط نوكيا: ليس بسبب الهاتف… بل بسبب الخوف
تعمد الرؤساء دفن رؤوسهم في الرمال بدلاً من مواجهة الأخبار السيئة  

إذا عدنا لإنهيار شركة نوكيا ، بالرغم من أنها كانت تمتلك أكثر من 40% أي تقريباً نصف سوق الهواتف المحمولة، كان هذا هو الفخ الأول الذي وقعت فيه هذه الشركة العريقة وأدى بها إلى الانهيار ، لم يكن سقوط نوكيا نتيجة لفشل في تكنولوجيا الهواتف، بل كان نتيجة لفشل ثقافي عميق. 

أجرى معهد INSEAD تحقيقًا معمّقًا حول انهيار شركة نوكيا، تضمن مقابلات مع 76 مديرًا من المستويات العليا والمتوسطة في الشركة.
و النتائج كانت صادمة، فشل نوكيا لم يكن سببه ضعف أجهزتها، بل ثقافة الخوف التنظيمي التي شلّت قدرتها على مواجهة الواقع.

الخوف الذي جمد الشركة جاء من اتجاهين:

  1. الخوف من الداخل:

سمعة كبار المديرين في نوكيا كانت مرعبة بالنسبة للمديرين المتوسطين (عادة نواب الرؤساء والمدراء). بعضهم وُصفوا بأنهم “مزاجيون للغاية” وكانوا يصرخون على الموظفين في الاجتماعات، حتى أن أحد الاستشاريين أشار إلى أن مجرد نقل خبر غير مرغوب فيه كان أمرًا شبه مستحيل، التهديدات بالفصل أو خفض الدرجة الوظيفية كانت شائعة، مما جعل الصراحة مكلفة جدًا.

  1. الخوف من الخارج:

كبار المديرين أنفسهم كانوا مرعوبين من عدم تحقيق الأهداف الفصلية، في ظل ضغط هائل من المستثمرين والموردين، ورغم إدراكهم أن نظام التشغيل Symbian الذي اخترعته نوكيا وقت الأزمة ، لم يعد منافسًا لنظام iOS من Apple، كانوا يخشون الاعتراف علنًا بضعفه. أحد المدراء الكبار قال:
“تطوير نظام تشغيل جديد يستغرق سنوات… لذلك كان علينا أن نُظهر ثقة في Symbian، حتى لا نخسر ثقة السوق بسرعة.”

و النتيجة: الاستمرار في الدفاع عن نظام متراجع بدلًا من مواجهة الحقيقة.

هذه الأجواء خلقت دائرة مغلقة من الخوف وتبنت ثقافة مميتة "ثقافة الصمت" 

المدراء المتوسطون خافوا خذلان رؤسائهم، الذين بدورهم لم يقبلوا سوى الأخبار “المُفلترة” الإيجابية.

أحد المدراء اعترف خلال هذه الدراسة أن “المعلومات لم تكن تتدفق إلى الأعلى، بل كذب على الإدارة العليا مباشرةً… حتى إننا كنا نُغيّر نقاط البيانات في المخططات لإعطاء صورة أجمل.”

أحد المديرين المتوسطين أشار إلى أن مجرد الاعتراض على قرارات الإدارة العليا كان يُعتبر مخاطرة قد تهدد عائلتك ومستقبلك الوظيفي.

و النتيجة كما نعرف جميعاً ، انهارت نوكيا من عرش الريادة العالمية لتصبح حالة دراسية كلاسيكية عن كيف يمكن للخوف والإنكار أن يدمّرا أي مؤسسة، مهما بلغت قوتها أو ابتكاراتها.
لم يكن السقوط بسبب الهواتف أو التكنولوجيا… بل بسبب الخوف من مواجهة الواقع والجرأة على قول الحقيقة.


فضيحة "ديزل جيت Dieselgate " لشركة Volkswagen تُعد من أبرز الأمثلة أيضاً على تأثير النعامة في عالم الأعمال. 

فعندما عجزت الشركة عن تطوير تكنولوجيا "الديزل النظيف" التي يلبي معايير الانبعاثات الأمريكية، لم يواجه قادتها الحقيقة، بل لجؤوا إلى برمجيات غش للتلاعب بنتائج الاختبارات، متجاهلين تحذيرات مهندسيهم من هذا التلاعب. 

هذا الإنكار قصير النظر تحوّل إلى كارثة عندما تم اكتشاف الأمر ، كلفت الشركة ما يزيد عن 30 مليار يورو ما بين غرامات، تعويضات، و رسوم قانونية، مع تقديرات أخرى تشير إلى أن الخسائر وصلت إلى 40 مليار دولار.
في عام 2015 وحدها، أعلنت فولكس فاجن عن خسارة صافية بلغت 5.5 مليار يورو. 

لم يكن السقوط بسبب تكنولوجيا التلاعب وحدها التي استخدموها، بل نتيجة ثقافة تنظيمية ترفض مواجهة الحقائق، وتفضل التستر والتهرب على المصارحة والاعتراف، لأن الشركة أصرت على الإنكار فترة طويلة حينما افتضح الأمر وتحول إلى قضية واتهام مؤكد .

و النتيجة اهتزاز سمعة الشركة عالميًا وخسائر تُقدر بالمليارات، وتحولها إلى حالة دراسية كلاسيكية عن خطورة تأثير النعامة وعدم مواجهة المشكلات.

والآن السؤال الأهم كيف نتصدى لهذا التأثير ونتغلب عليه ؟؟ 

الحل بسيط جداً : واجه الواقع بكل شفافية

للتغلب على تأثير النعامة، يجب عليك أن تركز على بناء ثقافة تشجع على الشفافية والمساءلة.
الحل لا يكمن في مراقبة الأداء بشكل مستمر فقط، بل في خلق بيئة آمنة لفريقك، حيث يمكنهم مشاركة الأرقام السيئة بنفس سهولة مشاركة الأرقام الجيدة.

استخدم آلية ماكينزي للقراءة (Readout Process): 

من الاستراتيجيات الفعالة التي يستخدمها الخبراء آلية "القراءة" أو "Readout Process". تتضمن هذه العملية أن يقوم أحد المشاركين في الاجتماع بتلخيص النقاط الرئيسية والقرارات المتخذة بصوت عالٍ في نهاية الاجتماع، مما يضمن أن الجميع يغادرون بنفس الفهم للواقع. 

هذه الممارسة البسيطة تقلل من "إمكانية دفن الرؤوس في الرمال"، لأنها تجبر الجميع على مواجهة الحقائق وتوافقها معها في الوقت الفعلي، مما يمنع التحيزات من التسلل إلى عملية اتخاذ القرار.  


ثالثاً الفخ الثاني: تأثير عربة الموسيقى – Bandwagon Effect

لنفترض أنك صاحب متجر إلكتروني وأثناء البحث عن منتجك الجديد، خطر ببالك
" لماذا لا أضيف هذا المنتج، أغلب المنافسين يبيعونه "...  هنا بالضبط أنت وقعت في فخ معرفي خطير يُسمى تأثير عربة الموسيقى Bandwagon Effect … 


تأثير عربة الموسيقى هو الميل لاتباع الاتجاه السائد فقط لأن "الجميع يفعل كذا".
هذا الانحياز يدفعنا لتقليد الآخرين دون دراسة أو تحليل، خوفًا من أن نكون خارج القطيع .

سُمي تأثير العربة (Bandwagon Effect) بهذا الاسم لأن أصله يعود إلى السياسة الأمريكية في منتصف القرن التاسع عشر، حيث كانت عربات الموسيقى تُستخدم لجذب الناس للانضمام إليها "بالقفز على العربة"، وحشد أولئك الناس لدعم المرشح السياسي 

مع مرور الوقت، تطور المصطلح ليصف ظاهرة أوسع تتمثل في تبني الأفراد لمعتقدات أو سلوكيات الآخرين لمجرد أنها أصبحت شائعة أو يتبعها الكثيرون.


تفسر هذه الظاهرة النفسية لنا ، لماذا تكتسب الأفكار أو المنتجات أو الحركات الاجتماعية الرائجة انتشاراً سريعًا في كثير من الأحيان ، يميل الناس إلى "اللحاق بالركب" للاندماج، وتجنب الغياب، أو الشعور بالانتماء إلى مجموعة.

إن الدوافع النفسية لهذا التحيز مزدوجة ومعقدة، تنقسم إلى قسمين : 

  1. أولاً "التأثير الاجتماعي المعياري"

وهو الرغبة الفطرية لدى البشر في الانتماء والتوافق مع المجموعة وتجنب الشعور بكونهم "الفرد المختلف" وهي الظاهرة المعروفة بالدليل الاجتماعى social proof ، هذا ما يفسر انتشار صيحات الموضة والاتجاهات الاستهلاكية.
وتستخدمه أنت أيضاً كأسلوب تسويقي في الترويج لعلامتك التجارية، حينما تقوم برفع تقييمات عملائك على منتجك، أو الترويج بأن هذا المنتج يستخدمه أحد المشاهير؛  فيتجه الناس لشرائه تقليداً لهذا المؤثر ( كما سبق وأن تحدثنا عن انتشار اللعبة لابوبو).   

  1. ثانياً "التأثير الاجتماعي المعلوماتي"

وهو الميل للاعتقاد بأن الأغلبية دائمًا على صواب. عندما يرى الفرد أن "الجميع يفعل نفس الشيء"، يستنتج أن لديهم معرفة أو أدلة لا يملكها هو، فيقرر أن يتبعهم بدلاً من بذل جهد في البحث الخاص المستقل.

هذا ما نقصده هنا في مقالنا عن تأثير عربة الموسيقى كتحيز معرفى، تكمن الخطورة في أن هذا النمط من التفكير يقود أصحاب الأعمال لقرارات متسرعة، فمجرد أن منافسيك يبيعون منتجًا معينًا لا يعني أنه مناسب لمتجرك.
كثير من التجار يسقطون في هذا الفخ، فيطرحون منتجات متشابهة، ويدخلون في سباق أسعار قاتل، ثم يكتشفون أن السوق مشبع وأن الأرباح تتبخر والخسارات تتوالى.

و التاريخ مليء بأمثلة تؤكد هذا الانحياز، مثل فقاعة الدوت كوم في التسعينيات، حينما اندفعت الشركات والمستثمرون وراء فكرة "كل الناس يطلقون شركات إنترنت، إذن يجب أن نطلق نحن أيضًا"، لينتهي الأمر بانفجار الفقاعة وخسارة تريليونات الدولارات. 

إذن، خطورة هذا التحيز أنه يبعدك عن البحث والتحليل المنطقي، و يضعك في خانة "المقلّد" بدل "المبتكر". 

إذا أردت أن تكون قائدًا في السوق، فمهمتك ليست أن تسير خلف العربة، بل أن تصنع العربة التي يقفز إليها الآخرون.


ومن أبرز الأمثلة، في أوائل الألفينات، كان السوق يتجه في اتجاه واضح؛ شركات الهواتف كانت تتنافس على إضافة المزيد من الأزرار وتكبير الشاشات تدريجيًا. بدا وكأن "الجميع يفعل ذلك"، وبالتالي أصبح هو الاتجاه الطبيعي.
لكن شركة Apple أبل رفضت أن تنجرف مع هذا التيار، وبدلًا من ذلك، أعادت تعريف مفهوم الهاتف المحمول من الأساس بإطلاق الآيفون بشاشة لمس كاملة، دون الاعتماد على الأزرار التقليدية، لم تتبع الموضة السائدة بل خلقت موضة جديدة تمامًا، وأجبرت الجميع لاحقًا على القفز إلى عربتها.


في الوقت الذي كانت فيه معظم شركات الترفيه تركز على مبيعات أقراص الـ DVD وتعتبرها قمة السوق، اتخذت نتفليكس قرارًا جريئًا بأن تراهن على مستقبل البث عبر الإنترنت، رغم أن السوق لم يكن مهيأً بالكامل بعد.
في البداية، اعتبر الكثيرون هذه الخطوة مجازفة غير مضمونة، لكن النتيجة أثبتت العكس؛ فقد تحولت نتفليكس Netflix إلى رائدة عالمية في صناعة الترفيه، بينما بقي منافسيها أسرى للاتجاه القديم حتى فقدوا مواقعهم.

والآن نعود لذات السؤال،  كيف نتصدى لهذا التأثير ونتغلب عليه ؟؟ 

الحل في جملة واحدة "التخطيط بدلاً من التقليد"

للتغلب على هذا التحيز، يجب عليك كرائد أعمال أن تميز بوضوح بين التقليد الأعمى والاستخدام الذكي. 

لا تتبع أي موجة جديدة إلا بعد دراسة معايير صارمة: 

  1. تحليل العائد على الاستثمار (ROI):
    اسأل نفسك سؤال مهم جداً : هل هذا الاتجاه سيجلب قيمة حقيقية لعلامتي التجارية ؟

  2. ملاءمة المنتج للسوق (Product-Market Fit):
    هل يتوافق الاتجاه مع احتياجات عميلي المثالى ، أو عملائي الحقيقين ؟

  3. قوة العلامة التجارية:
    هل هذا الاتجاه يعزز أو يضعف هوية علامتي التجارية على المدى الطويل؟

هذه الأسئلة والبحث العميق سيحددون لك بلا شك ، هذه الموجه أو هذا الاتجاه المتمثل في الخطة أو المنتج أو ما ستضيفه لمشروعك يناسب هويتك وعلامتك التجارية أم لا 

وتذكر أن القفز وراء كل موجة دون دراسة ليس استراتيجية، بل هو تحيز.
القائد الذكي يستخدم "الدليل الاجتماعي أو تأثير عربة الموسيقى " بذكاء في التسويق، ولكنه لا يبني قراراته الاستراتيجية على أساس ما يفعله "الجميع".


رابعاً الفخ الثالث: وهم السيطرة – Illusion of Control

كثير من رواد الأعمال يعيشون تحت ضغط هائل من القرارات المصيرية وبالتأكيد أنت منهم : إطلاق منتج جديد، دخول سوق جديدة، أو مواجهة منافس قوي.
في هذه اللحظات الحساسة، يغريك الاعتقاد بأنك قادر على التحكم في النتائج بالكامل إذا بذلت الجهد الكافي أو اتخذت القرار الأذكى.
لكن الواقع غالبًا ما يصفعك بنتائج غير متوقعة، لأنك وقعت في واحد من أخطر الفخاخ المعرفية "وهم السيطرة" ، وهو الفخ الثاني الذي أوقع شركة نوكيا.


وهم السيطرة هو الاعتقاد أنك تسيطر على كل شيء، حتى العوامل الخارجة عن إرادتك. هذا الانحياز يجعلنا نبالغ في تقدير قدرتنا على التحكم في النتائج، ونقلل من المخاطر أو دور الحظ.  

تم تحديد هذا التحيز المعرفي لأول مرة في سبعينيات القرن الماضي ، من قبل عالمة النفس إيلين لانجر Ellen Langer ،التي لاحظت الظاهرة في مواقف يحكمها الحظ مثل المقامرة أو التداول في البورصة. وصفت إيلين الأمر بأنه "الخلط بين المهارة والصدفة".
وأظهرت أبحاثها أن الأشخاص عندما يُعطَون مجرد وهم بالاختيار أو المشاركة (مثل اختيار أرقام اليانصيب أو رمي النرد بأنفسهم)، فإنهم يشعرون بثقة زائفة بأنهم يسيطرون على النتيجة.

التفسير النفسى لهذا التحيز ببساطة، عقولنا تكره الاعتراف بالعشوائية، فتتمسك بأي إشارة تعطي إيحاءً بالتحكم، فالتفسير النفسي لهذا الوهم يتغذى على حاجتين بشريتين أساسيتين:

  1. الرغبة في الأمان: 

الإنسان يكره الشعور بالعجز، فيخدع نفسه بأن لديه زمام السيطرة على مجريات الأمور حتى في ظروف خارجة عن إرادته.

  1. البحث عن السببية: 

الدماغ يسعى دومًا لإيجاد علاقة بين الفعل والنتيجة، حتى عندما تكون النتائج عشوائية تمامًا.

الخطورة هنا أنك كرائد أعمال تظن أن خبرتك أو قراراتك وحدها كافية لضمان النجاح، فتتجاهل المخاطر الحقيقية أو العوامل الخارجية غير المتحكم بها. وهذا يؤدي إلى قرارات كارثية مثل الدخول في استثمار ضخم وقت تقلب الأسواق، أو الإصرار على التوسع رغم ضعف البنية الداخلية.


هذا هو الفخ الثاني الذي وقعت فيها شركة نوكيا.
نوكيا في أوج نجاحها كانت تؤمن أن سيطرتها على سوق الهواتف مطلقة، وأن خبرتها الطويلة وضخامة حصتها السوقية تكفي لمواجهة أي تحدي، لكن هذا الاعتقاد جعلها تتجاهل التحولات التكنولوجية الكبرى وصعود أنظمة تشغيل جديدة مثل أندرويد وiOS.
والنتيجة أنها  فقدت سيطرتها الموهومة، وسقطت بسرعة مدوية بعد أن كانت تهيمن على أكثر من نصف السوق العالمي.


إيلون ماسك واحد من أذكى رواد الأعمال وأكثرهم جرأة، لكنه أيضاً وقع في فخ "وهم السيطرة" عندما استحوذ على تويتر مقابل 44 مليار دولار في 2022، اعتقد ماسك كان مقتنعًا أن خبراته السابقة في تسلا وسبيس إكس ستجعله قادرًا على تحويل تويتر إلى منصة مزدهرة بسرعة، وزيادة الأرباح عبر تعديلات بسيطة مثل الاشتراكات المدفوعة أو سياسات حرية التعبير.

لكن ما حدث خلال عام واحد فقط كشف الوجه القاسي لوهم السيطرة و الواقع كان أعقد بكثير : نفور المعلنين، تراجع القيمة السوقية، فوضى في إدارة الموظفين، وشكاوى من المستخدمين. 

 إذ تراجعت قيمة المنصة بشكل حاد، بلغت قيمة تويتر/‏X في أكتوبر 2023 حوالي 16.9 مليار دولار فقط، أي ما يقارب ثلث السعر الذي دفعه ماسك. 

ووفقاً لتقديرات أخرى من Bloomberg وInvesting.com أشارت إلى أن القيمة تراوحت بين 19 مليار دولار وحتى 12.5 مليار دولار في بعض التقييمات الأكثر تشاؤمًا. وهذا يعني أن تويتر خسر ما بين 25 إلى 30 مليار دولار خلال عام واحد فقط من الصفقة،  والأسوأ أن بعض المحللين قدّروا أن المنصة فقدت ما يقارب 70 مليون دولار من قيمتها يوميًا خلال تلك الفترة. (10) 

هذه الأرقام تكشف كيف أن الثقة المفرطة بقدرتنا على "السيطرة" قد تحجب عنا تعقيدات السوق ، و توضح أن حتى أنجح رواد الأعمال قد يبالغون في ثقتهم بقدرتهم على السيطرة، ويكتشفون لاحقًا أن السوق والجمهور ليس بهذه السهولة.


والآن نعود لذات السؤال للمرة الثالثة،  كيف نتصدى لهذا التأثير ونتغلب عليه ؟؟ 

الحل في إعادة تعريف "السيطرة"

للتغلب على وهم السيطرة، يجب عليك أن تعيد تعريف ما تعنيه "السيطرة" حقاً من خلال : 

  1. الاعتراف بالحظ: 

أول خطوة هي قبول أن جزءاً من النجاح يعود إلى الحظ والعوامل الخارجة عن الإرادة، لا يمكن التحكم في كل شيء، والاعتراف بذلك ليس ضعفاً، بل هو شكل من أشكال النضج والوعي.   

  1. التخطيط للطوارئ: 

بدلاً من محاولة التحكم في المتغيرات العشوائية، يجب التركيز على التخطيط لها. يجب وضع خطط بديلة للمخاطر التي لا يمكن التحكم بها، مثل التغيرات في السوق، أو القرارات المفاجئة من المنافسين، أو حتى الكوارث غير المتوقعة.   

  1. التركيز على ما يمكن التحكم فيه: 

كما أشار جاستن كوب Justin Cobb ( وهو رائد أعمال مخضرم ذو سجل حافل بالنجاحات في مختلف القطاعات) في بودكاست "Growth Gear"، فإن أفضل استراتيجية هي "التركيز على ما يمكنك التحكم فيه، واترك الباقي focus on what you can control."

هذا يعني تحويل الطاقة من القلق بشأن العوامل الخارجية إلى تحسين العمليات الداخلية، وتطوير المنتج، وبناء فريق قوي، وتحسين ثقافة الشركة.
هذا النهج يساعدك على التمييز بين الضغط الصحي الذي يحفز على الأداء والتوتر المدمر الذي ينبع من محاولة السيطرة على ما لا يمكن التحكم به.   


في النهاية أفضل أن أسألك سؤال أيهما تفضل قيادة ذكية أم وهم نجاح؟

بالتأكيد أنت تفضل القيادة الذكية، لأنها جوهر أي نجاح حقيقي.
لكن القيادة الذكية ليست في معرفة كل شيء أو السيطرة على كل التفاصيل، بل في إدراكك الكامل للفخاخ العقلية التي تضللك و تدفعك لاتخاذ قرارات غير رشيدة.

تذكر أن قراراتك هي وقود مشروعك… فإما أن تقوده للانطلاق أو أن يحترق قبل أن يبدأ.
لا تسمح لأوهام تفكيرك أن تسرق نجاحك، كن يقظًا… فأعداء النجاح غالبًا يسكنون داخل عقلك قبل أن يأتوا من الخارج.



انضم إلى 15000 مسوق عربي

تركز المقالات على تطوير الأعمال والتجارة الالكترونية. من التسىويق والبيع الالكتروني إلى التمركز والانتشار

انضم إلى 15000 مسوق عربي

تركز المقالات على تطوير الأعمال والتجارة الالكترونية. من التسىويق والبيع الالكتروني إلى التمركز والانتشار

المزيد من المقالات